كما الجواهر للتاج كذلك الحب للإرتباط

هيلينا الصايغ

 

لغة الحب هي تفاعل بين شخصين وقعا في الحب. إن الوقوع في الحب يعطي الشعور بالنشوة و الإبتهاج ومن شأنه أن يأسر البشر لفترة تمتد لبضعة سنوات.

وعندما نحب فإن أجسامنا تمتلئ بمركبات كيميائية تشبه الأمفيتامين (دوبامين نوربريفرين) تضعنا في حالة من النشوة والإبتهاج كما السحر. ومع مرور الوقت فإن تركيز هذه المركبات الكيميائية يتراجع مما يجعلنا نخطئ تلقائياً ونعتقد أننا لم نعد واقعين في الحب. ونخطئ حين نعتقد بأنه بتلاشي العاطفة المتأججة فإن الحب أيضاً قد تلاشى معه.

إن الشغف هو هذه العاطفة القوية بين شخصين، وهو شعور طاغي ولكن ليس لديه القوة الكافية لينمو ويزدهر بحد ذاته. فعندما نهمله فإن الشغف يخمد ويبدأ الحب بالإضمحلال نتيجة لعدم إدراك كل من الشريكين أهمية إستعمال لغة الحب. إن للغة الحب عدة أشكال والعنصر الرئيسي والمهم يبدأ بالوعي والإدراك النفس.

في الحالة النموذجية فإن الإرتباط الصحي يكون بين شخصين ناضجين مستقلين. وللوصول لهذا الوضع المثالي فإنه يتحتم علينا البدء بفهم وتحليل النواحي المختلفة لأنفسنا. إبدأ بالتعرف على مخاوفك ومسببات عدم الشعور بالأمان، إحتياجاتك وكذلك توقعاتك. تعرّف كذلك على أهدافك الشخصية، أمانيك وأحلامك. إن صياغة قوائم لهذه العناصر بجانب تكوين صورة عقلية عن الكيفية التي تريد لهذه الوحدة أن تبدو بها هي الخطوة الأولى لإكتشاف نفسك. وعندما تصبح خبايا نفسك مألوفة لديك فإنك تصبح قادراً وجاهزاً للمس وفهم أعماق شريكك.

إن الرجال والنساء يحبون بطرق مختلفة وبالتالي يعبرون عن حبهم بطرق مختلفة. يخطئ المعظم عندما يبدأون بإعطاء ما هم بأمس الحاجة إليه بدلاً من معرفة وتلبية إحتياجات شركائهم. لذلك - ولإنجاح العلاقة- فإنه أمراً إلزامياً أن تصبح على دراية بإحتياجات شريكك وتوقعاته، ولكي تكون قادراً على معرفة وإحترام الطريقة الخاصة التي يعرب بها شريكك/ شريكتك عن حبه.

 

في كتابهما (ماذا يفكر الأزواج حقاً عن زواجهم، زوجاتهم، الجنس، الأعمال البيتية والإلتزام) فإنسايمون وتشوسر توصّلا إلى ثلاثة فروقات عن الكيفية التي يعبر بها الشركاء عن حبهم: أولاً النمط الأنثوي في الحب هو في تبادل المشاعر أما الذكوري فهو في تقاسم المكان والأوقات الحميمة. ثانياً الفرق هو في إستخدام الكلمات فبينما تفضل النساء مناقشة الأمور فإن الرجال يفضلون القيام بعمل ما لتحسين الوضع. أما العنصر الثالث فيتعلق بقضاء الوقت معاً، فبينما تركز النساء على قضاء الوقت وجهاً لوجه فإن الرجال يركزون على تشارك الخبرات جنباً لجنب.

إن التواصل الصريح والمنفتح لغة أخرى من لغات الحب في الزواج. فعندما نوضح ما نريد قوله عما نشعر به بطريقة منطقية، صادقة، ومباشرة تسهل الوصول إلى حلول في معظم الخلافات. إن اللباقة في المواضيع الحساسة والموضوعية في الأمور الأساسية مهمة جداً لإزالة العقبات في الحياة الزوجية.

تجنب قول كل ما تفكر به عندما تسيطر عليك المشاعر السلبية، وأجل النقاش لحين إستعادة توازنك. ضع في إعتبارك أن ردة فعل الآخرين لما تقول تعتمد بشكل رئيسي على الطريقة التي صغت بها أفكارك لهم. إذاً من الضروري أن تتكلم بهدوء وبمنطقية وموضوعية وإيجابية عندما تريد أن تصل إلى نتيجة مرضية.

إن المشاعر السلبية الدفينة قد تؤدي إلى الغضب، الحقد أو الإنعزال، ومن الأفضل أن يتم التعامل مع جميع الأمور تلقائياً والتعبير عن المشاعر حال ظهورها. في العديد من المرات في العلاقة نجد أنفسنا متكتمين على المشاعر السلبية أو ممتنعين عن التعبير عن المشاعر الإيجابية. في مثل هذه الأوقات فإنه يجب بذل الجهد للكشف عن ما وراء هذا الإمتناع ومحاولة التعبير عن ما يقلقك وما تشعر به حسب الحالة.

ليس هناك حدود للتعبير عن الحب بطرق رومانسية. مفاجآت، زهور، هدايا شخصية، القبل والمداعبة، المرح والعفوي، الرقص والموسيقى، نشاطات حسية أو أي بدائل معبرة عن العشق والغرام من شأنها كلها إيقاد الشرارة وتجديد العلاقة خاصة بعد مرور عدة سنوات.

يقترح غاري تشابمان في كتابه (لغات الحب الخمسة) بأن نتعلم كيف نعبر عن الحب لبعضنا البعض بلغة يفهمها شريكنا. إن اللغات الخمسة التي يذكرها هي، كلمات التأكيد والتي تبني إحترام الذات وتعزز صورة الطرف الآخر عن نفسه، وكذلك قضاء أوقات جيدة معاً بحيث يولي أحدنا للآخرالإهتمام الكامل ونتعلم كيف نتمتع ونمرح معاً. ولغة أخرى للحب هي بإعطاء الهدايا والتي ليست بالضرورة باهظة الثمن ولكن تدل على ما يعنيه لك الطرف الآخر وكم هو ثمين بالنسبة لك. وبالإضافة فإن تشابمان يؤكد على أهمية الملامسة الجسدية للتعبير عن الحب، وأخيراً وليس آخراً بإكتشافك أفضل طريقة تستطيع بها أن تسدي خدمة لرفيقك والتي تؤديها بمتعة وفرح بحيث  ينظر إليها كتعبير عن المحبة.

والأهم من كل ذلك أن نكون صديقين جيدين حقيقين هي ورقتنا الرابحة لإستمرارية الحب في العلاقة طويلة الأمد. إن الصداقة القوية هي القادرة على الصمود في وجه المصاعب، الصداقة التي لا يحدها شيء والتي لا مكان بها لأسرار وخفايا مظلمة. والأكثر من ذلك الألفة بحيث يجد كلاً منا مركزالأمان في الآخر التي لا يكون بها الكشف عن دخائل النفس مغامرة خطرة. وللوصول وتحقيق هذه الرفقة المقدسة فإنه من الضروري أن يتخلى كلانا عن كبريائنا وأن نتجاوز الأنا، باذلين أقصى جهدنا لإسعاد الشريك. وعندما تتم معاملتنا عن هذا القصد الطيب بالمثل فإن علاقتنا تسمو فوق الحاجات والمتطلبات المادية الفردية.

تأتي أوقات يرتكب بها الشركاء أخطاء تؤثر على وحدة العلاقة، عندئذٍ يصبح من الضروري أن نغفر ونسامح، خاصة وأن الغفران هي هدية نقدمها لأنفسنا. وأنه من الضروري جداً أن تكون المسامحة صادرة عن قرار واعي بأن نسامح وننسى، خاصة وأنه بالغفران الحقيقي نستطيع تجاوز الغضب والألم. ومن خلال مسامحتنا للشريك نصبح قادرين على نسيان الماضي والتعلم أن نعيش بالحاضر ونسعد بالتخطيط لمستقبل أفضل. وبتفهمنا بكل موضوعية لسلوك الشريك، وقبولنا بحقيقة حدوث مثل تلك الأحداث المؤسفة فإننا نصبح قادرين على منح الثقة من جديد. وبالتالي وبعد إنتهاء هذا الفصل المدمر من حياتنا فإنه من المهم أن نقوم بتوجيه تركيزنا معاً للنمو المشترك مبتعدين عن الضغوطات ممضين معاً وقتاً جيداً لتقوية رابطتنا مرتقيين معاً إلى مستوى أكثر إستقراراً ونضجاً في علاقتنا.

إن الإلتزام بمحبة يتطلب منكما الإستثمار في العلاقة على مر السنوات بدون الوقوع في فخ أخذ أحدكم الآخر كأمر مسلم به. وعندما نختار بأن نمنح ينتهي بنا المطاف بالأخذ. وعندما نختار بأن نتفاهم ونتنازل ينتهي بنا المطاف بالربح. وعندما نَزِن ما نتفوه به فإننا نجد التقدير. وعندما نركز على ما هو الأفضل للعلاقة، فإننا نصبح قادرين على تلبية حاجاتنا. إن ممارسة الصبر تشرع الأبواب للتغير والأذن المصغية بمهارة تستطيع أن تكشف لنا ما تراكم بدون وعي بيننا نحن الإثنين.

إن إعطاء الحيز المناسب هو إحدى أهم لغات الحب. إمنح شريكك الحيز الكافي لينمو، الحيز الكافي ليتغير، الحيز الكافي للخصوصية، الحيز الكافي للصمت والأهم من كل ذلك الحيز ليرتكب الحماقات. المتطلبات الكثيرة والتوقعات العالية تمهد الطريق للإحباط، الإختناق وهبوط المعنويات في العلاقة. تلك الأوقات التي تشعر بها بأنك مهمل مطلوب منك بأن تنقب عميقاَ في داخلك لترى إن كنت تتوقع الكثير من الإهتمام كنتيجة لشعور داخلي بعدم الأمان، أو أنك أصبحت معتمداً عاطفياً على رفيقك. في مثل هذه الأوقات حاول أن تبتعد قليلاً بقيامك ببعض الأمور بنفسك حتى تستعيد إستقلالك. غير ذلك كن منفتحاً ومباشراً بمشاركة مشاعرك بأنه قد تم إهمالك، تجاوزك أو أنك أعتبرت شيءً مسلم به.

إن الباب للتغير يمكن فتحه فقط من الداخل، لذلك لن نستطيع أبداً أن يغير أحدنا الآخر ولا يجب أن نتوقع أن يتغير الشخص من أجلنا أما إذ نظرنا إلى عيوبنا، وسعينا جاهدين من أجل تطوير ونمو ذواتنا فإننا نكون قد صعدنا درجة أخرى لقبول شريكنا. وعندما نكون مستعدين للتعبير عما يزعجنا مستخدمين لغة المحبة اللطيفة، آملين وليس متوقعين أن ينمو شريكنا ويتطور هو الآخر. صانعين كل مما سبق بمحبة من أجل مصلحتنا المشتركة.

وبين الحين والآخر من الأفضل أن نعود إلى إلتزامنا في العلاقة، بقصد مراجعة طبيعته، بالتأمل فيما يلي: كم هي المرات التي نقر فيها بأخطائنا بدون أن يطلب منا ذلك؟ كم هي المرات التي قمنا بها بالتنازل بدون أن نتوقع شيءً بالمقابل؟ كم هي عدد المرات التي تخلينا بها عن كبريائنا محاولين تعرية شريكنا؟ كم هي المرات التي قلنا بها (أحبك) بدون مناسبة؟ كم مرة أحببنا بصدق!

 

 

هيلينا الصايغ
 
مستشارة إرشادية

ترجمة نهى منصور