أودعكِ حبيبتي رانيا

هيلينا الصايغ

يا رب

 لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض

 

في الحياة نواجه مواقفَ كثيرة، منها الحُلو ومنها المرّ، ولكنني لم أتصور ابداً، بأنني سأقف يوماً أمام مذبح الكنيسة لأتحدث عنك يا رانيا.

 

خلال الأيام الماضية، كُتب وقيل الكثير من الكلام المؤثر عن رانيا، والذي خَفف - بعض الشيء - من آلامنا وأوجاعنا. ووقف الكثير بجانِبنا لمواساتنا- ومواساة أنفسهم- لهذه الخسارة الفادحة. أبدأ بشُكرِكم جميعاً على محبتِكم ودعمِكم ووجودِكم معنا في هذه الأيام العصيبة.

 

جميعُكم تعلمون بأن لرانيا سماتْ وصفاتْ لا تعد ولا تحصى- ولن أستطع أن أعبرَ عنها امامكم اليوم، ولكني أودُ أن أختصِرَها بهذه الآية من الكتاب المقدس.

في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس الإصحاح ١٣ - يحدثُنا بولس الرسول عن المحبة:

الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفِقُ.

 كانت رانيا دوما تَرفق بنا وبكل من تعرفَهم وبالذين لم تعرِفهم أيضاً. ولم تتوقف ابدآً عن تقدمةِ الدعمْ والخدمة لعائلتِها وصديقاتِها ولكلِ من كانت تعملْ معهم. كان دوما كلامُها إيجابيً ومُشجعً ومُحفزً ومُمتلئً بالتفاؤلِ والأملْ. تنشرُ المحبةَ والسعادة أينما كانت.

 

 الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدْ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرْ، وَلاَ تَنْتَفِخْ، وَلاَ تُقَبِّحْ،

كانت رانيا دوما تتمنى الخيرَ للجميع ولا تتقاعسْ أبداً عن مدح ِالآخر. أُعطيت الكثير والكثير ولكنها لم تتفاخرْ يوماً بجمالِها ولا بأناقتِها ولا بذكائِها ولا بإبداعها ولا بإنجازاتِها. كانت دوماً متواضعةً ووديعةً وخلوقةً وخجولة بالتحدثِ عن نجاحاتِها.

 

وَلاَ تَطْلُبْ مَا لِنَفْسِهَا،

كلُنا يعلمُ قدرةَ رانيا الهائلة على العطاء، وكرمَها الماديّ والأخلاقي والعاطفي والاجتماعي. لم تتخاذلْ أبداً في تفضيل عائلتِها على نفسِها- وعن تقديم الدعمِ والمساندةِ لصديقاتِها - خلالَ ظروفِهم الصعبة. فهي السبّاقةُ في أعمالِ الخيرْ - التي لم يَدري عنها إلا الله.

 

وَلاَ تَحْتَدْ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوءْ، َلاَ تَفْرَحْ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحْ بِالْحَقِّ،

كإنسانةٍ سعيدة ومتفائِلة وممتلئة بالطاقةِ الإيجابية، كانت رانيا أولُ من يمدح ويُشجع ويُحفز الاخر، الغريبُ قبل القريب. وكانت تفرحُ لنجاحِ وسعادةِ كلُ من حولِها. تدافعُ عن الحق وتبادرُ في نشر المحبة والسلام والتسامح.


وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ،

كلُنا – بدون استثناء، يَعلمُ كيف واجهتْ رانيا مِشوارَها وآلامَها بصمت – وبقداسة.  الابتسامةُ الراقية لا تُفارقُ مُحيّاها، وحتى في أصعب الأيام كانت تقولُ " أنا منيحة" والابتسامةُ تملءُ وجهَها. وكانت دوماً تُخفي ألمَها وتَعبَها حتى لا تُتعب أو تُقلق من تُحب.

 

وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.

وكانت رانيا أكبرِ مثلٍ لنا بالصبرِ على الصعوبات - والرجاء بيسوع المسيح وبالقيامة - والتصديق بكلام الله الى آخرِ لحظة. فهي لم تتذمّر يوما ولم ترفُض كلام الرب - لم تضعَفْ أو تُهزم يوماً، متعلقةً بالرجاء - مصلّيةً بأمل - ومؤمنة بوعدِ الله.


الْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا

رانيا رمزٌ ومثلٌ للمحبةِ الحقيقية بكلِّ أشكالِها، وحتى لو انتصر المرضْ على جسدِها - فهو لم ينتصرْ يوماً على عقلِها ولا نفسِها ولا روحِها.  صمدت - وانتصرت برقيٍّ ونقاءٍ وطهارة.

 

نفتخرُ بمسيرتِها المليئةِ بالسعادة والعطاء والمحبة والصبر والتسامح والايجابية والتفاؤل - وحتى ولو كانت لسنوات قصيرة. فهي المثلُ الأعلى لنا أجمعين.

 

فهي المنعمة الآن لوجدِها مع الرب كملاكٍ في الفردوس - حيثُ لا وجعٌ ولا حزنٌ ولا تنهد.

وكم نحن جميعاً منعمين بهِبة الله لنا بأن كانت رانيا جزءً من دربِنا.

 

 

أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ.

نودِعُكِ رانيا - ونشتاق اليكِ - بقلبٍ متفائل وابتسامةٍ صادقة صامتة - وبرجاءٍ بأن نلتقي من جديد.