الصديق الخيالي

هيلينا الصايغ

 

الصديق الخيالي هو نوع من اللعب المتخيل بحيث يصبح فيه شخص أو حيوان متخيل جزءاً فاعلاً في حياة الطفل.  وعندما تتم مواجه الطفل بالحقيقة – أي عدم وجود هذا الشخص أو الحيوان – يتخذ الطفل موقفاً دفاعياً ويدعي أن هذا الصديق خفي.

يتم إبتداع هذا الصديق غير المرئي في حوالي السنة الثالثة من عمر الطفل، ويبقى ملازماً في عقل الطفل طوال سنوات الطفولة المتوسطة، على عكس الإعتقاد السابق بأن الأطفال يجتازون هذه الحالة في سن الخامسة.  وبحسب دراسة قام بها علماء نفس في كل من جامعتي واشنطن و أوريغون، فإن 65% من الأطفال يبتدعون الصديق المتخيل بين الثالثة و الخامسة من العمر و أن ثلثهم يظل يعتقد بوجوده حتى سن السابعة و الثامنة.  أما بالنسبة للبعض فإن عالم الخيال هذا يستمر حتى سنوات البلوغ.

يبدأ الطفل في إختراع هذا النوع من الأصدقاء في الوقت الذي تبدأ شخصيته في التشكل؛ في الوقت الذي يبدأ به في إختبار حدوده وتجربة الفرق بين الحقيقة و الخيال.  إن هذه العلاقة، بالطفل و صديقه المزعوم، عرضة للتغيُر لأن الطفل نفسه في تغيُر مستمر. و لقِلة من الأطفال، فقد يصل عدد أصدقائم الوهميين إلى ثلاثة عشر من مختلف الأعمار و الأجناس، أمَا البعض الآخر فقد ينسونهم لفترة ثم العودة لهم في وقت آخر.

 في البداية فإن هذا الصديق يكون ملموساً ( دمية محشوة ) و يتحول بعدها إلى شخص غير مرئي يصبح جزءاً فاعلاً في أوقات لعب الطفل، أدائه لواجباته المدرسية، تناوله لطعامه ونومه.  وعادةً ما يفوق عدد البنات الأولاد الذين لديهم أصدقاء وهميين، وعادةً ما يكون الأهل على معرفة بذلك.

إن عالم الخيال عنصر طبيعي أثناء نمو و تطور الطفل خاصة عندما يعزز الروح الإبداعية بحيث يختبر الطفل حالات مختلفة من تخيُل نفسه تائهاً في الصحراء الي سفره الى القمر.

إن الطفل الذي تعلَم المشي للتو ولديه صديق خيالي ليس وحيداً وإنطوئياً ويعاني من طلاق والديه. بل على العكس تماماً فقد أظهرت الدراسات أن مثل هؤلاء الأطفال يتكيفون بسهولة في الحضانة و لديهم العديد من الأصدقاء ويتمتعون بمقدرة لغوية للتعبير عن أفكارهم و مشاعرهم.

أما بالنسبة للطفل، فإن الصديق الخيالي يخدم أغراض عديدة.  وكبداية فإنه كبش الفداء الذي يتلقَى اللوم بدلاً منه عند إرتكابه لأي خطأ.  وهو أيضاً الحامي الذي يطرد التنانين و الوحوش الغريبة بعيداً.  وبالإضافة، فهو الصديق الذي يكتم الأسرار و الأهم من كل ذلك هو الصديق الذي لا يخالف أو يطلق الأحكام.

إن القضايا المتعلقة بالسيطرة، الإنضباط و السلطة يتم إختبارها في هذا النوع من اللعب الخيالي.  ومن تخيله لردة فعل صديقه الوهمي، فإن الطفل يصبح قادراً على معرفة نتائج سلوكه وفهم ردة فعل صديقه الحقيقي.  ولهذا السبب بالذات يصبح الطفل ذو الصديق الوهمي قادراً على رؤية الأمور من منظار الآخرين عكس أولئك الذين لا يلعبون هذا النوع من الألعاب.

إن الطفل في بعض الأحيان، يصبغ على صديقه المزعوم صفات يفتقدها هو بنفسه مجرباً إياها متمنياً بالتالي أن يحظى بها هو نفسه في النهاية.

وحسنة أخرى هي عندما يتعلم الطفل التفريق بين الخير و الشر.  و يحدث هذا عندما يجري الطفل حوار داخلي مع صديقه المتخيَل حول قيامه أو عدم قيامه بأمر ما.

وعندما يلقي الطفل اللوم على الصديق الوهمي لسكبه الحليب على الأرض، فإنك تعرف أنه مدرك للخطأ الذي إرتكبه ولكنه غير مستعد لتحمل المسؤولية بعد.  و إذا ما ضبطت طفلك يقوم بتأنيب صديقه المزعوم، فلا تقفز إلى إستنتاجات وتفترض أن طفلك يشعر بالإحباط منك أو من المدرسة.  من المرجح أن طفلك يقوم بإختبار العلاقات الإنسانية من خلال هذا النوع من اللعب.

وتظهر مزايا أخرى بوضوح عندما يستطيع الأهل إستشفاف الحالة المزاجية لطفلهم، خاصةً و أن الأطفال يعبرون عن مشاعرهم و أفكارهم بكل وضوح بدون الخشية من تعرضهم للنقد من  رفيق لعبهم غير المرئي.  و بإنغماسه في عالم الخيال، فإن الطفل يسطيع أن يختبر العاطفة، يقلِب الفكرة و يجرب النتائج.  وإن لم يكن هذا درساً عملياً في الحياة، فما هو إذن!

و شكل آخر من اشكال الإستشفاف هو عندما يكون الأهل قادرين على مراقبة التغييرات التي تطرأ على أمزجة أطفالهم.  عندها يصبح الأهل أكثر قدرة على تقديم الدعم لأطفالهم لتعديل أمزجتهم و البحث عن طرق بديلة للتنفيس و إعادة التوجيه.

و بإستطاعة الأهل  - عن طريق متابعة لعب أطفالهم الخيالي عن كثب – التعرف على مخاوفهم. وبعملهم هذا، يستطيع الأشخاص  الذين يقدمون الرعاية للطفل أن يراقبوا سلوكه، مواقفه، تطلعاته و مهارت التحمل لديه.  ويكون هذا مفيد جداً عندما تمر العائلة في ظروف غير عادية مثل الطلاق، موت شخص عزيز أو حيوان أليف أو عند تغير المدرسة أو تغير الظروف المعيشية.

إذن كيف يتصرف الأهل في حالة وجود مثل هذا الصديق؟  وكبداية فإن الإعتدال هو العنصر الرئيسي بحيث لا توبخه أو تنتقص منه لأن لديه هذا الصديق، وفي المقابل لا تصبح جزءاً من هذا  النشاط بلعبك معه.  عندما يلوم طفلك صديقه الخفي على إنسكاب الحليب، اطلب منه أن يساعد صديقه في تنظيف المكان.  إياك أن تستخدم الصديق الخيالي للضغط على الطفل بقولك له أن صديقه سيغضب منه إذا لم يتم صحنه.  ومن المهم جداً أن توفر الفرص لطفلك للعب في عالم من صنع الخيال مع أصدقاء حقيقيين والجيران و الأقارب.

عدا عن ذلك، وبمراقبتك لعمق و مدة العلاقة بين طفلك وصديقه المتخيل، فبإستطاعتك أن تدرك إذا ما إنسحب طفلك من عالم الواقع.  إذا ما لاحظت أن طفلك يرفض قضاء الوقت مع الأطفال الآخرين، وأصبح متردداً لأن يفتح لك قلبه وعلى الرغم من ذلك يعبر عن الخوف والقلق أثناء لعبه مع صديقه غير المرئي، عندها يكون الوقت قد حان لإستشارة مختصين.

ومن أجل رؤية أكثر وضوحاً وإستشفافاً ينصح بأن تقضي بعض الوقت مع الطفل والقيام بنشاط يتعلق بهذا الصديق الخفي.  هل قام صغيرك برسم صديقه ورسم نفسه في نفس الصورة؟  تحدث معه عن إسم هذا الصديق، عما يعجبه و لا يعجبه به، ما يشعره طفلك حياله، مدى عمق هذه الصداقة، وما الأهداف التي تحققها لطفلك، أو هل قام طفلك بكتابة قصة تتحدث عن هذا الصديق. وأثناء اللعب من المطلوب أن تشرح لإبنك بكل وضوح أن هذا الصديق من صنع الخيال وليس حقيقياً ولا يستطيع أن يبقى جزءاً من حياته.  حدد ساعات معينة للعب مع الصديق الخفي وساعات أطول للعب مع الأصدقاء الحقيقين.

ولتحقيق نتائج أفضل، قيم كل من بيئة البيت و المدرسة، لكي تصل الى معرفة دقيقة حول إذا ما كان طفلك يتعرض للنقد المستمر أو التوبيخ، لديه مهارات إجتماعية ضعيفة و غير قادراً على الإندماج مع أطفال آخرين أو أن مقدرته على مواجهة الضغوط اليومية ضعيفة كذلك.

وبالإضافة لكل ما سبق، فإن الطفل على علم بأن صديقه هذا ليس حقيقياً.  ومن المهم معرفة أن اللعب في عالم من صنع الخيال هو جزء مهم ورئيسي في لعب الطفل بحيث يتعلم من خلاله عن العالم الذي يعيش به، العلاقات الإجتماعية، المشاعر، القبول، التواصل ومهارات التفاهم و التعامل مع الآخرين.

     

هيلينا الصايغ 

                                                                مستشارة إرشادية     

                                                                           ترجمة : نهى منصور