الضحك جرعة يومية

هيلينا الصايغ

الضحك جزء جوهري من وجودنا، يوظف لإظهارالعديد من المشاعر التي تتراوح ما بين الإبتهاج الشديد والسخرية. كما أنه يلعب دوراً اجتماعياً له دلالات ذات مغزى بين أفراد المجموعة الواحدة . الضحك أمر طبيعي للغاية بحيث أننا نهمل ملاحظة مدى تعقيده، غرائبيته، وحاجتنا الماسة إليه.

الضحك معدي، والأكثر من ذلك، تلقائي وخارج عن إرادتنا ما دام خاضعاً للقليل من السيطرة الواعية. إن عدم القدرة على مقاومة ضحك الآخرين هو بسبب آلية عصبية في الدماغ والتي عندما تستثار فإن "مولد الضحك"، والذي هو عبارة عن دائرة عصبية، يطلق الضحك.  ومن المضحك أن هذه النظرية تتحدى الفرضية القائلة بأن لنا سيطرة كاملة على سلوكنا.

والأبحاث التي أجريت تظهر بأن قدرة الإنسان على الضحك تسبق قدرته على الكلام أثناء تطور الدماغ، وأن مقدرة الإنسان على الضحك تظهر في المراحل الأولى من عمر الطفل .  وهي ليست ظاهرة مقتصرة على البشر ، وبينما تصدر الثديات الأخرى أصواتً أثناء اللعب مشابهة لأصوات الضحك عند الإنسان، ولكن ليست عالية ومعقدة.  وفي دراسته إكتشف ، جاك بانسكب "الجرذان الضاحكة" و"الشمبانزي الضاحك" لدى الدغدغة.

 إن الضحك وظيفة دماغية معقدة جداً. يقترح بروفسير علم النفس بيتر ديركس في أبحاثه عن الدماغ، بأن نشاطاً كهربائياً يحدث في الدماغ عندما نضحك أو نقهقه.  إن موجة سالبة الشحنة من الكهرباء تنتشر في القشرة الدماغية بعد 0.4 جزء من الثانية من سماعنا لنكتة ما .  إن هذه الموجة الكهربائية تنتشر بالقشرة الدماغية بالكامل، بحيث أن النصف الأيسر من الدماغ يعمل على السياق اللفظي من الطرفة بينما يقوم النصف الأيمن بمحاولات تحليل وفهم الطرافة التي تكمن في داخل النكتة.

وتبعاً لمقالة عن علم الضحك نشرت في مجلة "سيكولوجي توداي " (تشرين الأول /كانون أول 2000)، فإن ثلاثة من الطلاب وباحث يدعى روبرت بروفين درسوا سلوك 1200 طالب ووجدوا أن 20% فقط من الضحك كان نتيجة لنكتة وأن معظم الضحك جاء نتيجة لتعليق طريف ألقاه أحدهم. والمتحدث يضحك عادة بنسبة 50% أكثر من أي شخص آخر وأن 80% من الضحك يكون عادة ضمن مجموعات. علاوة على ذلك فإنهم إستنتجوا بأنه من الصعب جداً السيطرة على الضحك في المستوى الواعي.

أما في ما يتعلق في الفروقات بين الجنسين، فإن الخبيرة اللغوية ديبورا أكدت أنه أثناء تبادل الحديث فإن النساء يضحكن 126% أكثر من نظرائهم من الرجال الذين يعملون ما بجهدهم للإضحاك . وبالتالي وفي أغلب الأحيان، فإن النساء يبحثن عن الرجال الذين يمتلكون حس الفكاهة، بينما يكون الرجل أكثر من مستعد ليقوم بذلك. وبالإضافة فإن النساء يلجأن إلى الضحك كوسيلة صوتية غير شعورية تدل على الطاعة والقبول، أما الرجال فإنهم يستخدمونه لجذب النساء.

 وفي قديم الزمان فإن البشر كانوا يعيشون على شكل جماعات متقاربة، لمواجهة الكوارث وتقسيم الخيرات معاً ككيان واحد. إن هذا النوع من الرابط خلق العديد من المشاعر المعدية ضمن المجموعة، جالباً معه ردود فعل موحدة للأحداث المتشابهة. ومنذ ذلك الحين، خلال تلك الأيام، فإن الكوارث والمصاعب كانت تحدث بشكل متكرر، فإن المجموعة كانت تقضي الكثير من وقتها ترثي مصائبها ومصائب الآخرين، وقد خلق أثر الدومينو هذا جواً كئيباً.

 لذلك وكوسيلة للبقاء، بدأت الجماعات بإستبدال البكاء بالضحك، خاصه فيما يتعلق بالاحداث اليوميه وبالتالي، عندما يخسر فرد من القبيلة تعب يومه كله نتيجه لتعثره بجذع شجرة مسقطاً كل سلة البيض على الأرض فبدلاً من البكاء معه، فإن بقية أفراد الجماعة اختارت أن تضحك معه وعليه. فإن هذا الإفراج العفوي ساعد الرجل ذو سلة البيض على التنفيس عن الضغط الناتج عن خسارته المادية وبذلك خلق أثر الدومينو للضحك أجواءً مرحة مما أزالت التوتر من بين أفراد القبيلة. وهذا بالتالي جلب معه بداية الكوميديا وبالتالي التسلية!

 مع أن، وللمفارقة العجيبة، فإن كل من الضحك والبكاء يشتركان تماماً بنفس الملامح الفسيولوجية. فإن كلاهما يؤديان إلى نفس التغيير الكيميائي في الدماغ، وكلاهما يفرز الإندورفين، وكلاهما يؤدي إلى نفس حركات التنفس والشهيق. إن كل من الضحك والبكاء يحدثان من خلال شهقات عميقة تتبعها تقلصات قصيرة للصدر والحجاب الحاجز، وينطوي كلاهما على إهتزازات جسدية وكلاهما يطلقان الدمع، وكلاهما يتعلقان بالفم وينتجان شعور كبير من الراحة .

 يستخدم الضحك أحياناً لإخفاء بعض المشاعر السلبية كالغضب، الخزي أو الخجل.  كما أنه يستعمل للسخرية من الآخرين أيضاً، وأثناء المسلسلات الكوميدية، فإن تعرض الممثل للألم يقابل بنوبات من الضحك، وكلما إزدادت حدة الألم، كلما تعالت الضحكات.  إن وخز أحدهم على عينه، او ركل آخر بين فخذيه، أو أي ضربات مسببة للألم تكون مؤلمة جداً للشخص المتلقي في "المشاهد الكوميدية"، تقابل بضحك صاخب.

 وبالمثل، فإن المواقف الغريبة والعجيبة تقابل بالضحك أحياناً عندما يكون البكاء ليس كافياً للتعبير عنها. إن هذا التفريغ العاطفي القوي يثير في الأشخاص، الذين يواجهون المصائب، كل من الضحك والبكاء معاً خاصةً وإن كليهما يشتركان بنفس الوظائف الفسيولوجية.

 للضحك فوائد عديدة. الأولى والأهم، يعرف الضحك بإنه أفضل دواء.  يرفع الضحك من مستوى تحمل الألم ويقلل من الإحساس به. ويزيد الضحك من التفاؤل بالشفاء، وينتج مقدرة أكبر على تقبل المعالجة الطويلة الأمد كما أنه يقوي من وظيفة جهاز المناعة .

 كما أن الضحك عبارة عن أداة إسترخاء فإنه يحفز ويزيد من الدورة الدموية، يمرن عضلات الهيكل الهضمي ويزيد من سرعة دقات القلب وضغط الدم والإنتباه .

وبعد كل نوبة من الضحك، تمر فترة قصيرة يقل فيها كل من عدد دقات القلب، ضغط الدم، والنشاط العضلي مما يؤدي إلى الإسترخاء.

 وهناك الفوائد الصحيحة الناتجة عن الضحك. وتبعاً للدكتور مايكل ميلير فإن الضحك يعمل على البطانة الداخلية للشعيرات الدموية مسبباً إسترخائها وتمددها مما يؤدي إلى جريان أفضل للدم.  وبالإضافة، فإن الضحك يقلل من مستوى السكر في الدم، ويزيد من القدرة على إحتمال الجلوكوز .

 كما يحسن الضحك من القدرة على الأداء الوظيفي، خاصة تلك التي بحاجة إلى إبداع والقدرة على تقديم الحلول للمشاكل. وبالإضافة، فإن الضحك يقدم خدمة إجتماعية بتقريبه الأشخاص من بعضهم البعض كما أنه يخلق جواً إجتماعياً إيجابياً الذي يبقي الأزواج معاً.

كما أن الضحك يحسن من المزاج. الإندورفين والمعروف ب "هرمون السعادة" يفرز مباشرة بعد الضحك، كما أنه يعمل على شفاء الحزن ويؤدي إلى رفع المعنويات. ومن ناحية أخرى، فإنه يتم التخلص من الطاقه السلبية من خلال الضحك والذي يعمل كأداة تنفيس وإطلاق للتوتر.

 وأخيراً وليس آخراً ، فإن الضحك والمرح يعملانِ كوسيلة لتعزيز الحياة الإجتماعية من خلال انتقاد نقائص وعيوب المجتمع. وبواسطة العروض الكوميدية والحوارية التي تطرح المواضيع الإجتماعية، السياسية، الإقتصادية، وغيرها، والتي يكون هدفها المعلن هو التسلية بينما القصد الكامن ورائها هو تقويم المجتمع .

 يعرف الأشخاص الذين يبتسمون ويضحكون، لكن ليس بهدف إخفاء مشاعرهم الحقيقية ، بأنهم أصدقاء أفضل، شركاء يعتمد عليهم، موظفون مرغوب بهم، وعادة ما ينجون من تبعات هفواتهم أكثر من أولئك الذين يظهرون بتعابير وجه جدية.  إنها أوامر الأطباء بأن تعالج نفسك بجرعة 15 دقيقة من الضحك يومياً وأن تتابع  مسيرتك في هذه الحياة، ولا تأخذ الحياة بجدية كبيرة، وكن ضاحكاً على ما ستأتي به الأيام.
 
 
 هيلينا الصايغ  / مستشارة ارشادية 
                                                                                                                    ترجمة نهى منصور