الهدف من الحياة

هيلينا الصايغ

لهدف من الحياة
 
كم هي المرات التي بحث فيها الإنسان عن الهدف من الحياة أو حاول معرفة ماهية الرسالة التي يحملها؟  وكم عدد الذين حققوا هذا الهدف أو هم على انسجام مع أنفسهم!
إن الطريق إلى النفس هي الدرب الأقل مروراً وفي أكثر الأحيان فإننا نأخذ المنعطف الخطأ، مسيئين فهم الإشارات، مرتدين أقنعة واقية أو متجاهلين الفرص لفهم جوهر وجودنا.
النفس هي إتحاد الجسد مع الروح.  إنها المدخل إلى ذاتنا الداخلية، وحكمتنا الداخلية و قوتنا الداخلية وهي وسيلتنا للتعرف على الآخرين.  إن النفس هي لب كل إنسان وهي جوهر للإنسانية.  أما الروح من ناحية أخرى، فهي هبة الحياة والتي أعطيت لكل من الإنسان والحيوان. إن النفس، والتي هي الذات الخفية، هي الجزء الذي يتأمل القصد من الحياة.  إنه من خلال الإيمان بأن كل شيء يحدث لسبب ما، فإن كلٌ منا يشرع في رحلة البحث عن النفس.  إن هذا الدرب يتعلق بماهية الرحلة وليس بالوجهة النهائية.  انه بالنظر إلى أعماقنا والوعي بتسلسل الأحداث بالتزامن مع إدراكنا لطبيعة دورنا في الحياة، عندها يعرف كل شخص هدفه من الوجود.
إن كلٌ منا يشكل عنصراً خاصاً وقيماً في النسيج الإجتماعي.  وإن طبيعة شخصيتنا وصفاتنا ترسم الملامح للدور الذي يفترض بنا أن نقوم به.  علاوة على ذلك فإن قيمنا ونوايانا ترشدنا في قيامنا بهذا الدور.  ومن هنا فإنه من الضروري أن نفهم المبادئ اللاواعية التي توجه أدائنا، ومعرفة ما إذا كنا نخدم مجتمعنا من أجل الربح والكسب الذاتي أم من اجل الوفاء بإلتزامنا بخير الإنسانية!
إن الكون من حولنا يعمل بدقة متناهية وهو يعمل كنظام شمسي يدور بدقة جزء واحد إلى ألف من الثانية. إن هذا الكون الهائل المنظم يؤثر على وجودنا من خلال إيقاع حركي متناغم مسبباً الليل والنهار، الفصول وحتى حركة المحيطات.  ولأننا جزء من هذا الكون المنهجي المتناسق، ألا ينطبق هذا الترتيب على حياتنا أيضاً؟ هل من الممكن أن وجودنا ينبض على نفس هذا الإيقاع المتناغم؟
كل شيء يحدث لسبب في البيئة التي نعيش بها؛ الوالدان اللذان أنجبانا، كل حدث نمر به وحتى المهنة التي نعمل بها.  إن كل شخص نقابله في حياتنا يحمل رسالة لنا.  ولسوء الحظ، فإننا أحياناً، نكون غافلين لهذه الرسائل أو ينتهي بنا المطاف بإساءة تفسير الإشارات وتمضي بنا الحياة تاركة إيانا عاجزين و مشوشين.
تمر بنا أحداث تبدو لنا رهيبة في وقتها، ولكن لدى إسترجاع سير الأحداث وتحليلها موضوعياً فإننا ندرك لولا تلك التجارب المريرة فإننا لن نكون قد نضجنا و أصبحنا الأشخاص بهذه الخبرة والمعرفة التي نحن عليها الآن.
مع ذلك، فإن العنصر الأساسي للكشف عن هدفنا من الحياة ورحلة النفس هي خياراتنا التي نقوم بها.  وعلى الرغم من أن دربنا قد تم تحديده من اليوم الأول إلى اليوم الآخر إلا أن معتقداتنا هي التي تتولى قيادتنا.  إن تعليمنا، ثقافتنا، قناعاتنا، ونضجنا العاطفي تؤثر علينا لنتصرف بطريقة معينة  تساعد على ظهور أحداث معينة في حياتنا.  أما هؤلاء الذين هم على إتصال مع أنفسهم فإنهم يتوقون إلى ما هو أرفع من الحاجات المادية والدنيوية ويتعلمون كيف يديرون حياتهم وفهمهم للاحداث بطريقة اسمى.
من خلال هذا المشوارنبدأ بفهم الأمور والشعور بالآخرين من وجهة نظر مختلفة كلياً وبالتالي، أو نتيجة لوضوح الرؤية، فإننا ندرك أنه من الحكم السيء فإننا نتعلم الحكم الحسن.  وأنه من الألم نتعلم القدرة على التحمل وأنه من الخسارة نتعلم أن نقدّر حياتنا.  إن هؤلاء الذين تسببوا لنا بالأذى علمونا التسامح، وهؤلاء الذين إستغلونا علمونا الإستقلال. أما الذين لم يحبونا فقد علمونا الإحتمال أما الذين أحبونا فقد علمونا أن نحب وبدون شروط. وبالتالي، فإننا نصل إلى النتيجة بأنه بدون هذه الرحلة المضنية وسقطاتها فإننا لم نكن لنرقى أعلى من أوجاعنا ونصل إلى تقدير جوهر أنفسنا.
ومع الوقت فإننا نتعلم بأن نصبح مصدر تشجيع وتقوية للآخرين ولأنفسنا.  نصبح قادرين على إيجاد الفرص والإمكانيات لما يبدو عقيماً، ونقدم الدعم في أوقات العجز واليأس ونتحلى بروح إيجابية عندما يكون الجميع عكس ذلك.  نظهر النزاهة واللطف في أوقات الخداع ونقدم التعاطف والشفقة في المواقف التي تستدعي اللوم والقسوة. ونتعلم ان نهاية فصل ما هي الا بداية فصل آخر وإنه عندما يغلق باب فإن باباً آخر يفتح على سعته.
ومع ذلك فإن البعض منا يختار طريقاً آخر ويقرر بان يتعامل مع الأحداث والآخرين من وجهة نظر مختلفة.  إن عدم شعورنا بالأمان والثقة بالنفس يدفعنا بلاتجاه الخاطء،  مما ينهي بنا المطاف بأن نلهث وراء إشباع فوري لرغباتنا نتيجة خوفنا من أن نبتعد عن تحقيق هدفنا. عندها يبدو واضحاً ان اللحظة المناسبة لم تحن بعد، وأننا بحاجة إلى المزيد من النضج قبل أن نصبح جاهزين لإزالة الحجاب الحامي ونتابع المسير في طريقنا الخاص للبحث عن النفس.
يقول مثل (زن) قديم (عندما يكون التلميذ مستعداً يظهر المعلم).  إذن، القضية الأساسية هنا أن تكون مستعداً عقلياً لهذه الرحلة بأن تصبح قادراً على رؤية وإستيعاب الأمور بطريقة مختلفة.  إن الروحانية هي الطريق إلى النفس وإذا ما أخذنا بلإنغماس في هذا البعد، فإننا نصبح أقرب خطوة إلى التحول الروحي.  عندها فقط نصبح قادرين على الرؤية بعين العقل؛ عين نرى من خلالها وليس بها.
وبحسب دكتور واين داير في كتابه (السحر الحقيقي) فإن الأشخاص الروحانيون هم الذين يستعملون التفكير المتعدد الأبعاد وهم قادرون على إستيعاب الأمور التي تتجاوز الحواس الخمس.  إنهم الأشخاص الذين لا يكون دافعهم إحراز الإنجاز والنجاح الخارجي.  بل يكون دافعهم القوة الداخلية التي تنبع من القيم والصفاء.   إن الحدس للأشخاص الروحانيون ليس حدثاً عشوائياً، بل ينظر إليه على أنه قوة إرشادية تنبع من الداخل وهؤلاء الأشخاص يؤمنون بأن كل ما يكرهونه يضعفهم ويثقل كاهلهم، وأن كل ما يحبونه ويدعمونه يقويهم.  بالنسبة لهم فإن الغضب عائق لهم في رحلتهم وهم على ثقة بأن الكون بأجمعه وكل ما فيه متحدين معاً بالمحبة وعمل الخير.
وتبعاً للعالم النفسي الأمريكي أ.أ.ماسلو، فإن الهدف النهائي في سلم الإحتياجات هو الوصول إلى الوعي الروحاني.  ولدى إشباع الحاجات الأساسية فإن البشر يسعون إلى الروحانية.  ومن هذا الإتجاه فإنهم يشعرون بإن لحياتهم قصد إيجابي ويصبح لديهم معرفة عميقة لأنفسهم ولأدوارهم، ويشعرون برباط كبير مع الآخرين ويصبحون على إتحاد مع الكون.
إن الدرب الذي نسلكه لإيجاد التوازن والسلام، في كثير من الأحيان، سيكون صعباً ومضنياً. ولن يكون منطقياً في معظم المرات، والعملية قد تصبح فاجعة ولا تطاق.  لكن وبشكل غير متوقع، فإن لحظة من الصحو تحدث وعندها تتحول الصورة إلى عمل فني والأحداث المشوشة والغامضة تصبح مفهومة. وفجأة ندرك بأننا نمر بلحظة من التنوير، لحظة من المعرفة.  ونعرف حينها انه كان علينا أن نمر بكل الأحداث والمراحل المتقلبة، لكي نصبح قادرين على الفهم والوعي. وبحسب الدكتور واين داير (إنك سترى ما تؤمن بأنه سيحدث).
بالتالي، نصل للإيمان بأن قوة المحبة هي (المايسترو) المحرك للإنسانية، ومن خلالها فإن كل شيء ممكن تحقيقه وغير مستحيل.  كما أنه يصبح لدينا إحساساً بتناغم إيقاعنا الداخلي وبأننا نحقق هدفنا من الحياة بالعطاء، لأنه بالعطاء نكسب.  ومن خلال هذا التزامن فإننا أخيراً نُمنَح الهبة التي لا تقدر بثمن، الفرح، الصفاء والحياة الهادفة.
ومع الوقت والخبرة والعديد من الحماقات، فإننا نكتسب الحكمة.  ومن خلال التنوّر فإننا ندرك بأن مهمتنا في هذه الحياة تذهب لأبعد من النجاح الظاهري والإنجازات.  نصبح قادرين على فهم وإستيعاب قدسية المسؤولية الملقاه على عاتقنا تجاه الإنسانية.  وبتأديتنا للأدوار المتعددة في الحياة منطلقين من قيمنا وروحانياتنا، فإن النفس تتطور  لحرث الغاية من كينونتها.
 
هلينا الصايغ
 مستشارة إرشادية
ترجمة نهى منصور