السعادة كخيار

هيلينا الصايغ

ما هي السعادة و كيف نحققها؟  لقد حير هذا السؤال الكثير من الفلاسفة والمفكرين عبر العصور. وبعد الكثير من البحث فقد أصبح واضحاً لدي أن السعادة هي أثمن الخبرات الحياتية و الوصول اليها أسهل كثيراً مما قد نتصور .

إن السعادة ليست مفهوماً فلسفياً ولا فكرياً للحياة، انها أبسط كثيراً من هذه المفاهيم. إنها حالة نختارها ببساطة و ليست شيئاً يتأرجح تبعاً لصدف الحياة.

إن من حق كل إنسان ان يكون سعيداً ويعتقد الكثيرون أن البحث عن السعادة  والوصول اليها هو سبب وجودنا على الارض.  نحن لا نجد السعادة؛ نحن نصنع السعادة.  ومع كل  تحديات الحياة المحتومة والتي لا تحصى فإن السعادة الحقيقية مازالت ممكنة.  إن  السلاسل التي تقيدنا و تبعدنا عن السعادة هي داخل عقولنا (الخوف ،القلق، الغضب ، الازدراء،الغيرة و الطمع).  إن حالتنا الذهنية تتشكل تبعاً للكيفية التي نستجيب وندرك بها الاحداث الخارجية في حياتنا، وليست نتيجة مباشرة لهذه الاحداث.  ان الاشخاص المختلفون يستجيبون بشكل مختلف لنفس الحدث بسبب عادات تفكير تشكلت لديهم مع الوقت.

يبدأ كل شيء بفكرة.  الفكرة هي عبارة عن طاقة وهذه الطاقة بحاجة الى أن تتشكل وتبلور نفسها من خلال وجودنا.  وعندما لا نكون على وعي بهذه الحقيقة، فإننا نخلق أفكار سلبية و نحصل على نتائج سلبية.   وبما أننا نحصد ما نزرع، فإننا لا نتوقع وروداً عندما نزرع بصلاً. وبالتالي نضلل أنفسنا ونلوم الاخرين على تعاستنا، ولكن عندما نتعلم كيف نفكر بطريقة إيجابية، فإننا بالمقابل نبدأ بالحصول على نتائج إيجابية.

نحن فعلياً نخلق العالم الذي نعيش به والحياة ليست شيء يحدث لنا؛ بل نحن المسؤولون! وأن ننتظر شيء ما أو شخص ما ان يتغيير لنصبح سعداء، هو مجرد وهم وان هذا الاسلوب في قهر الذات يولد اليأس والعجز. نحن المسؤولون أولاً، ولدينا القدرة على صنع الاحداث، وكل هذا يبدأ بإتخاذنا موقفاً ايجابياً.  وعند ذلك يصبح العيش حدثاً سعيداً و ليس فقط مسألة عبور للسبيل.       

نحقق السعادة بتعلم طرق جديدة لتحقيق ذواتنا و بالتعديل المستمر للطريقة التي نتعامل بها مع الاخرين والقدرة على أجتياز ما يحصل لنا.  نستطيع أن نحاول –الى الابد- بنغيير العوامل الخارجية، البيت، السيارة، الاصدقاء والمهنة.  وبالتالي ندرك تدريجيا أن السعادة الحقة تكمن في عقولنا .

ومن المفارقة، أن المعتقدات الخاطئة عن السعادة تسيطر على مفاهيمنا وتشل من وعينا.  ومن أهم هذه المعتقدات الشائعة هي أن السعادة غير قابلة للتفسير، وانها تحدث لقلة محظوظة فقط وبأن التفكير بهذا يجلب لنا التعاسة. لا شيء من هذه المعتقدات صحيح، فأحياناً ننسى أن نكون سعداء .

إن الاشخاص السعداء عادة ما يكونوا منفتحين أجتماعياً، مرينين، مبدعين، والدين أفضل، ولديهم القدرة على تحمل خيبات الامل اليومية بسهولة أكثر من الاشخاص غير السعداء.  والأهم من ذلك، عادة ما يكونون اكثر محبة وتسامحاً من الاشخاص غير السعداء.  و تبعاً لباحثين من الولايات المتحدة، فإن الاشخاص السعداء يعيشون 7.55 سنه أطول من غير السعداء!!

"بيرتراند راسل " الكاتب و الفيلسوف البريطاني و الحائز على جائزة نوبل، يؤمن بأن السعادة شيء يمكن السيطرة عليه!  في كتابه، "القبض على السعادة" فإنه يذكر بوجود ثلاثة أوجه للسعادة: أن نتعلم عن المبادىء التي تؤدي الى السعادة، بعد ذلك استيعاب وهضم هذه المبادئ و من ثم تطبيقها.  ويؤمن راسل بأن استثمار الوقت والجهد في تعلم تلك المراحل الثلات يؤدي حتماً الى اقتناص السعادة والحصول عليها.
 
وذكر بيتراند راسل 14 مبداً للسعادة:

1-لاتقع فريسة ً للكا˜بة والحزن  .  

                     "الكا˜بة ليست إلا مرحلة مزاجية عابرة؛ لا تحسبها حكمة ".

2.لاتقع في فخ التنافس.    

                   "إن الشعور بالسعادة هو النجاح الحقيقي الصحيح في الحياة" .

3.نمي موقفاً صحيحاً من كل من الملل والإثارة.    

              "البحث عن الإثارة بجرعات صغيرة وفي الأماكن الصحيحة.  ولابد من توقع كميات محددة من الملل ".  

4.  لا تستهن بمخاوفك و تكتمها، بل واجهها.    

                "كن واقعيا؛ اسأل نفسك ما هو اسوأ شيء يمكن أن يحدث ؟"

5.لا تحسد، بل اظهر الاعجاب!   

            "انعم بما هو لديك ولا تقارن نفسك بالأخرين" .

6.حارب شعور الذنب والعار.  

          " ابحث عن الصوت الداخلي الوارد من التأثيرات المبكرة؛ اهزمها بالمنطق".   

7. لا تضخم من شعورك بالظلم .   

          "لا تبالغ في تقدير طيبتك ولا في استغلال الاخرين لك".

8.لا تهتم كثيراً برأي الاخرين.

     "احترم الرأي العام لكي تتجنب الموت جوعاً  ولتبقى خارج السجن "

للإمساك بالسعادة:
1.كن حيوياً 
عود نفسك على الاهتمام بحماسة وحيوية لكل شيء.

2. كن حنوناً وعطوفاً. 

اتصل بالاخرين و أعطيهم الحنان، تقبله  ولكن لا تطلبه بالمقابل.

.كن والد/والدة جيداً.  3

 امنح طفلك الوقت الكافي. استعمل حدسك الابوي/ الاموي لخير طفلك

4.قم بأعمال ممتعة متنوعة و بناءة .   

 ابحث عن عملا متنوعاً يبني مهارتك و ينتج شيئاً مبدعاً.

5.تعلم العديد من الاهتمامات المهدئة و البسيطة .    

  تمتع بممارسة العديد من الهوايات والاهتمامات المختلفة بقدر استطاعتك، وتأكد بأنها توفر لك تغييراً عن عملك اليومي .

6. جد التوازن الصحيح بين العمل و الراحة

قدم افضل ما لديك وعندما تكون قد قمت بكل ما لديك، اترك الامور للقدر.

عود نفسك ان تكون شكوراً و أن تقدر ما لديك، ولاحظ عندما تؤدي الافكار السلبية الى سلوك سلبي وبالتالي محصلة سلبية.  إن الدماغ قادر على استقبال ومعالجة الالاف من الرسائل في الثانية و بالتالي يغرق الدماغ  بالمعلومات التي تعيق اداءه. التأمل هو احدى الطرق التي تفرغ الدماغ و تسكت الاصوات السلبية المتعددة و تهدئ الجسد. بالوصول الى مستوى موجة الفا، تتباطئ سرعة الدماغ ممهداً المرور الى اعماق النفس.

إجلس في مكان هادئ -في الداخل أو في الخارج- من 15-20 دقيقة، وركز على كل المزايا الايجابية في حياتك وعلى ماذا تريد الحصول عليه في المستقبل.

 إن هذا التمرين المباشر و البسيط يحرر العقل من العديد من المعلومات الصغيرة التي يزدحم بها فاسحاً المجال للصفاء و للموقف الإيجابي اتجاه النفس، والجنس البشري والكون بشكل عام.

هناك طريقة اخرى لتهدئة العقل وهي التركيز على الأصوات.  اتخذ وضعاً مريحاً واطلق العنان لنفسك بتركيزك على ما تسمعه من الأصوات من حولك بدون الانجراف مع افكارك. و بتركيزك على الاستماع لتلك الاصوات فإن بإستطاعتك أن تنزلق الى مكان خالٍ من الافكار للوصول الى مستوى الفا.

إن التأمل و القدرة على التخيل هي ممارسات بسيطة و لكن قوية بحيث تصفي الدماغ و ترخي الجسد مؤدية الى الوصول الى السلام والهدوء، وفي نفس الوقت، فإن كلاهما يعملان على خلق التوازن بين العالمين الداخلي و الخارجي.

أولت البوذية اهتماماً دائماً لزرع العوامل التي بإستطاعتها أن تؤدي الى السعادة واستئصال تلك العوامل التي تؤدي الى المعانة في كتابه "فنون السعادة" ، فأن "الدلاي لاما" يعتقد بأن الإنفصال والقناعة والرضا، والشعور بالقيمة التي تنبع من الداخل هي مصادر اساسية للسعادة. إن هذا السلام الداخلي يمكن تعزيزه بواسطة الالفة والمودة وبتعميق صلاتنا بالاخرين و بممارسة العطف والحنان.

أن تصبح اكثر حناناً ورحمة، و بقبولك و تفهمك للغير يعمل على تقليل مشاعر الغضب و خيبات الامل والشفقة على الذات.  ومن خلال محبتنا للغير فإننا نكسب قيمةً داخلية وسلام مع أنفسنا، وبالتالي انسجاماً مع الكون من حولنا.

ماذا يعتقد المفكرون والفلاسفة عن السعادة:

"إن الدماغ المضبوط يجلب السعادة.  إن هؤلاء الذين يتحررون من الرغبات المادية يحققون النيرفأنا. لا تشتهي ما يملكه الاخرون إن هذه خطيئة مميته، وتأخذك بعيداً عن السعادة. تعلّم بان تكون سعيداً بما لديك."  "بوذا"

" السعادة هي اكبر هدف للإنسان في الحياة. الهدوء و العقلانية هما حجري الزاوية للسعادة "  "أبو قراط"

"معظم الاشخاص هم سعداء بقدر ما تقرر عقولهم ذلك."   "أبرهام لينكون"

"تعلم بأن تتمتع بكل دقيقة من حياتك.  كن سعيداً الان. لاتنتظر لشيء خارج نطاق نفسك ليجعلك سعيداً في المستقبل.  فكر بكم هو ثمين الوقت الذي يجب أن تمضيه، سواء بعملك أو مع عائلتك. عليك الاستمتاع بكل لحظة والتلذذ بها."    "إيرل نايتنجيل"                   

" السعداء فقط هم الذين تكون أفكارهم مسلطة على شيء اخر غير سعادتهم الخاصة:  فهم عادة ما يكونون مشغولي الفكر إما بسعادة الاخرين أو بخير و تحسن الانسانية جمعاء أو حتى بالفن أو بملاحقة قضية م،ا ليس كوسيلة بل كهدف اسمى يتحقق في النهاية.  وبتركيزهم على هدف مختلف فإنهم يلتقون بالسعادة بطريقة أو اخرى."  "جون ستيوارت ميل"                                                                     (1806-1873)

"يقضي الناس أعمارهم باحثين عن السعادة؛ وعن السلام.  راكضين وراء احلام عقيمة، إدمانات، معتقدات، حتى وراء أناس اخرين، محاولين ملء هذا الفراغ بداخلهم الذي يأرّقهم.  ومن المفارقة بأن المكان الوحيد الذي هم بحاجة للبحث عنها هو بداخلهم."   "رامونال أندرسون"

"اذا أردت أن يكون الاخرين سعداء،فكن عطوفاً.  اذا أردت انت ان تكون سعيداً، فكن عطوفاً."  "الدلاي لاما "

"السعادة هي عندما يكون ما تفكر به، و ما تقوله، و ما تقوم بعمله على انسجامٍ تام."           "مهاتما غاندي"                                                                                        

"لو كان هناك عدد كافي من الناس الذين يبتغون سعادتهم الخاصة أكثر من هؤلاء الذين يبتغون تعاسة الاخرين،ل حظينا بالنعيم." "  بيرتراند راسل"                                              

 "إنّ السعادة هي طريقة تفكير، وموقفاً عقلياً، واذا لم يتم تعلمها وممارستها في الحاضر فلن يتم تحقيقها أبداً."   "ماكسيول مالتز"

 "ان السعادة هي أعظم إنجاز بشري، إنها استجابة من شخصية الانسان المتكاملة لتوجيه مثمر تجاه نفسه وأيضاً تجاه العالم من حوله."   "إيرك فروم"        

"إن ما نحن عليه اليوم أتى نتيجةً لأفكارنا في الامس، وما نفكر به الان يبني حياتنا في الغد؛ حياتنا هي من صنع عقولنا ."   "بوذا"

"لا يكون الرجل سعيداً الا اذا امن بأنه كذلك."  "بيبليبيوس سيريوس"      50 قبل الميلاد                     

"الرجل الاحمق يبحث عن السعادة بعيداً، أما الحكيم فيزرعها تحت قدميه."  "جيمس اوبنهاين"

الفرح هو في متعة اللحظة. يضيّع معظم الناس وقتهم نادمين على الماضي و قلقين مما قد  يحدث في المستقبل.  و بين هذا وذاك، فإن الوقت الحاضر يتسرب من خلال الشقوق. و كنتيجة نجد أنفسنا عالقين في حلقة مفرغة الى أن نقرر بأن نخلق عالماً جديداً سعيداً لأنفسنا.