قوة الموسيقى

هيلينا الصايغ

لموسيقى هي غذاء الروح الذي يؤثر في أمزجة البشر، صحتهم، ذاكرتهم، ذكائهم، نمط حياتهم وحتى في ثقافتهم.  كل شيء من حولنا يتذبذب ـ بدون أي إستثناء ـ وهذا الإيقاع يجعل من الأبعاد المادية، العاطفية والروحانية للكون تعمل بتناغم معاً.

الموسيقى هي طاقة صوتية تولد إهتزازات في الهواء مولدةً موجات تجعل كل شيء من حولها في حركة.   يتحول الصوت الى حركة في الأذن الوسطى والأذن الداخلية وبعدها ينتقل على شكل إشارات كهربائية إلى القشرة السمعية في القناة الصدغية في كلا الجانبين من الدماغ.  علاوة على ذلك، تعمل الموسيقى على إعادة ترتيب بعض الجزيئات في الجسم التي تؤثر بدورها على كل من العقل، الجسد و العواطف.

وعندما نستمع الى الموسيقى، فإنه من المهم أن نضع في إعتبارنا العاطفة العميقة التي ألَفَ بها الفنان مقطوعته.  وأن ننسى كذلك وجودنا ونستسلم تماماً للموسيقى بحيث نصبح قادرين على الإنغماس كلياً في الحالة الوجدانية التي  عايشها الموسيقار أثناء التأليف.  عندها فقط نصبح في حالة من الإتحاد مع اللحن وينبض كل من فؤادنا، عقلنا و روحنا على نفس الإيقاع.

وقد قيل أن العديد من العظماء إستلهموا افكارهم من الموسيقى.  فقد كان ثوماس جيفرسون يعزف على قيثارته عندما تعوزه الكلمات أثناء صياغته " لإعلان الإستقلال". أما ألبرت أينشتين فقد إدعى بأن أحد الأسباب التي جعلت منه عبقرياً هو عزفه على الكمان، فقد كان يجد الحلول لمعادلاته الرياضية وهو يدندن على الكمان وكان يستمع لكل من موزارت و باخ في معظم الأحيان.

وقد أشار كذلك العديد من الفلاسفة و المفكرين إلى أثر الموسيقى :

-         عندما يتغير النسق الموسيقي، تتغير معه قوانين أساسية في الدولة.

                                                                           أفلاطون

-         ( أعطني سلطة على من يؤلف الموسيقى للشعوب، ولا يهمني ـ حينئذٍ ـ  من يضع القوانين.)

                                                                           نابليون

-         ( للموسيقى القدرة على تغيير الشخصية )

                                                                          أرسطو

يتلقى الناس الموسيقى بطرق مختلفة تبعاً لمزاجهم في اللحظة التي يستمعون بها للموسيقى.  نحن نستمع لما نبحث عنه، لذلك فإن نفس المقطوعة قد تجعل من واحد سعيداً والآخر حزيناً. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن نفس الشخص قد يتأثر بمقطوعة موسيقية بطريقة معينة حيناً، وبطريقة مختلفة حيناً آخر.

من الممكن أن يكون للموسيقى أثراً إيجابياً أو سلبياً.  الموسيقى الإيجابية تساعد الناس على التخلص من التوتر لأنها تؤدي الى الإسترخاء بسبب تقليلها من نسبة التنفس، عدد ضربات القلب و ضغط الدم.  كما انها تحسن من المزاج، وتساهم في تخفيف الإكتئاب، وتقوي كل من الذاكرة والذكاء.

أما من ناحيةٍ أخرى، فإن الموسيقى السلبية، لها أثراً عكسياً برفعها لعدد ضربات القلب وضغط الدم حيث يندفع الأدرينالين إلى الجسم عن طريق الغدد الأدرينالية.  وهذه التغييرات الجسدية تجعل الفرد يشعر بالإزعاج، قلة الصبر والعصبية.  وبالإضافة الى نوع الموسيقى فإن الكلمات التي تدل على العنف، الكراهية أو الغضب لها نفس التأثير على المراهقين والناضجين على حد سواء.

وفي بحثها حول ( تأثير الموسيقى على السائقين )، إكتشفت سوزان تريك أن إرتفاع صوت الموسيقى ذو أثر  سلبي على سائقي السيارات بحيث يصبح لديهم ردود إنعكاسية بطيئة ( الوقت اللازم لرد الفعل ) نتيجةً للإلهاء من الموسيقى و يصبحوا معرضين لفقدان السمع إذا ما إستمروا في الإستماع بقوة صوت تزيد على 85 ديسيبل.

أما فيما يتعلق بالموسيقى الخلفية بالمصانع، فقد أكدت التجارب ان الموسيقى المستمرة تؤدي الى الشعور بالإرهاق من قبل العمال، بالإضافة الى إنخفاض الإنتاج مقارنة بالإستماع للموسيقى لبضع ساعات يومياً فقط.

ويعتقد علماء النفس أن للموسيقى تأثيراً عميقاً على عواطف الناس وسلوكهم.  وأجري العديد من الأبحاث لتأكيد ذلك.  ونتيجة لذلك، تم البدء بإستعمال الموسيقى كعلاج لمرضى الإكتئاب، وذوي الميول الإنتحارية، القلق،الغضب، وكذلك ضحايا الإساءات كل هذا على أيدي خبراء مدربين.  وبحسب ما تقول سارة كيرك ويج في مقال  لها عن "تأثير الموسيقى" أن العديد من الحضارات القديمة لجئوا في السابق الى استعمال الموسيقى كعلاج: الإغريق استعملوا الموسيقى في علاج الأمراض الجسدية والعقلية أما المصريين فقد إستخدموها لزيادة خصوبة المراة.

للموسيقى قدرة علاجية فهي تقوي جهاز المناعة و تحسن من المزاج.  كما أكدت الدراسات النفسية، العصبية و المناعية مجتمعةً معاً أن الموسيقى تحسن من المزاج مما يؤثر على الجهاز العصبي بطريقة إيجابية، والنتيجة تكون بتقوية جهاز المناعة بالجسم. 

ولهذا السبب،أصبحت الموسيقى جزء من بيوت كبار السن.  وبدراسة، بإدارة الدكتور فريدريك تايمز، يقول أن كبار السن أظهروا إنخفاضاً ملموساً في مستوى القلق لديهم و أيضاً بمستوى كل من الإكتئاب و الشعور بالوحدة بعد أخذهم لدرس في الموسيقى، علاوة على ذلك، فإن مديرية التعليم الأمريكية تؤمن بأن الفن والموسيقى تعزز من روح التقدير و الفهم لدى الأطفال للعالم من حولهم.  وبالإضافة، فإن الموسيقى تجعل من الأطفال تلامذة أفضل عن طريق الإنضباط الموسيقى.  وأظهرت نتائج المسح التي أجرتها دائرة التعليم الوطنية (1992 )  أن الطلاب الذين يتابعون بجدية العزف على إحدى الآلات الموسيقية، يكونون أكثر حذقاً في مادة الرياضيات في الصف الثاني عشر مقارنةً بالطلاب الذين لم يعزفوا على اية آلة موسيقية في حياتهم.  وعدا عن ذلك فقد بينت نتائج بحث قام به المركز الوطني لتعليم الفنون في جامعة نيويورك ( 1990 ) أن الطلبة المشتركين في نشاطات فنية وموسيقية يتمتعون بقدر أعلى من الإحترام للنفس ومهارات حياتية أفضل .

ولقد أظهرت الدراسات العديدة التي قام بها علماء الأعصاب بأن الموسيقى تلعب دوراً في تطور الدماغ.  وبحسب الطبيب ريتي جون، في" دليل المستخدم للدماغ" (2001 )، فإن الموسيقيين يقومون بأدآء أفضل في المهام التي بحاجة للإنتباه، يتمتعون بذكاء أعلى، على دراية بأنفسهم ويعبرون عنها بطريقة أفضل.  ويعود هذا لمقدرتهم للتركيز على اللحن، الشكل، الإيقاع، النغم، الصيغة و العاطفة، كل هذا، بنفس الوقت.

-         " التدريب الموسيقي يؤدي الى زيادة طويلة المدى لدى أطفال الحضانة في إدراك أقوى لكل من الزمان و المكان."

                 شو، روشستر، ليفاين، رايت، دنيس و نيوكومب.

                 دراسة في علم الأعصاب ( جزء 19 ، 1997)

وفي بحثهم حول العلاقة بين الموسيقى و الذكاء، أظهروا كيف أن الموسيقى تعزز من مهارات التفكير التجريدي الذي هو في غاية الأهمية لكل من الرياضيات والعلوم.  وبعد 8 أشهر من التدرب على لوحة المفاتيح ( الموسيقية وليست التي للحاسوب )، فإن 46% من أطفال الحضانة أظهروا تقدماً ملحوظاً في معدل ذكائهم المكاني.

وقد أظهرت الدراسات التي أجراها كوستا غيومي ( 1997)، من جامعة ماك غيل، كيف أن الأطفال الذين يعزفون على البيانو حققوا نتائج أفضل في تذكر الأنماط و التعبير عما يفكرون به.

مشيراً الى مقال في كتاب " الموسيقى والدماغ " فإن لورنس اودونيل يبين أن الموسيقى الكلاسيكية من عهد  الباروك، تؤدي الي تباطؤ النبض  وتخفض من ضغط الدم وعندما يشعر الجسد بالإسترخاء، يصبح الدماغ بحالة أفضل و قادراً على التركيز، مما يساعد في عملية التعلم.

عدا عن ذلك، فإن الإستماع للموسيقى يحسن من الذاكرة.  حيث تؤكد دراسة أجريت حول " تأثير موزارت " أن  الإستماع لسوناتا موزارت من جهازي بيانو على د ميجور، يحسن من الأداء في الإمتحانات بعد الإستماع اليها مباشرة.  ولسوء الحظ، فإنه لا يوجد إثبات أن هذا الأثر طويل الأمد.

وأظهرت دراسات أخرى، كيف أن الطلاب، الذين شاركوا في العزف مع فرقة موسيقية  أو اوركسترا، خلال سنواتهم المدرسية، كانوا أقل عرضةً لتعاطي المخدرات والكحول طوال حياتهم، كما اظهر تقرير صادر عن " لجنة تكساس للإساءات الناتجة عن الكحول والمخدرات "  (هيوستون كرونيكل، كانون ثاني 1998 ).

والدليل على تأثير الموسيقى في كل من النبات والحيوان كان جلياً، بحيث تعطي الأبقار المزيد من الحليب، والدجاجات المزيد من البيض و تنمو سنابل القمح أسرع تحت تأثير الموسيقى.  حتى فئران التجارب كانت تختار أن تأوي الى الصناديق التي تسمع منها موسيقى باخ.

وتؤكد دوروثي ريتلاك في كتابها " صوت الموسيقى و النباتات " كيف أن النباتات تزدهر إذا ما وضعت  الموسيقى الكلاسيكية لهل في الخلفية لبضع ساعات يومياً و لكنها تموت إذا ما إستمرت الموسيقى بإستمرار لمدة إسبوعين.  وأضافت أيضاً ان النباتات كنت تميل نحو السماعات عندما كانت الموسيقى كلاسيكية وبعيداً عنها في حالة موسيقى الروك.

وبصورة عامة، فالموسيقى تساعد الناس على التنفيس عن مشاعرهم عن طريق التمرين الجسدي، الغناء " التعبير الصوتي " و التعبير عن المشاعر.  وبعملهم هذا، فإنهم يتخلصون من التوتر، يدخلون السرور على قلوب الآخرين ويمارسون نشاطاً يجلب الرضى للنفس.  إن هذا النوع من المتعة يقرب الناس من بعضهم البعض ويضعهم في أجواء إيجابية تتخطى الأعراق، الدين والجنسية، وتمد كذلك الجسور بين الثقافات المختلفة.

وفي الختام، فإن الموسيقى تزيد من المقدرة الإبداعية، تقوي من مستوى الذاكرة و التركيز، تحسن الصحة، تضمن التعاون، تخفف من التوتر، تؤكد على الفردية، تعزز من الإحترام للذات، توسع من آفاق البشر وتلهم الإنسانية.  وكل هذا جزء لا يتجزأ من العنصر الرئيسي الذي يجلب السلام و التناغم المجتمعي.

 

هيلينا الصايغ