قوة الحوار الداخلي

هيلينا الصايغ

هل تتحدث مع نفسك ! .............. ما زال هنالك أمل

 

إن الحديث مع النفس يسهل من معرفتها. إن مفهومك عن نفسك يحدد الطريقة التي تتعامل بها مع الآخرين وكذلك نظرتك الي العالم.

إن ما تقوله لنفسك، في الواقع، يؤثر بك.

إن حوارك مع ذاتك هو( ذلك الصوت الهادىء) والذي ينبع من عقلك اللاواعي. يعطي علماء النفس نسبة 20% فقط للعقل الواعي، مما يشكل القمة فقط من جبل الجليد، و 80% للعقل اللاواعي. وهذا يساهم في النقص الحاصل في إدراك الحوار الداخلي واللذي يؤثر على جميع جوانب حياتك.

إن التحدث مع النفس عملية مستمرة، وحقيقة أننا غير واعين لذلك لا يلغي وجودها. وتتم معالجة المعلومات الناتجة عن هذا الحوار بإستمرار،ولكن عدم قدرتنا على السماع تنشىء لدينا عمى يمنعنا من رؤية تأثيره على حياتنا.

أنت لست الأفكار التي تفكر بها، إذن تستطيع أن تسيطر عليها وأن تعيد صياغتها، خاصةً وأنك أنت الذي كونتها. ومن هنا تأتي فسحة الأمل.

إنها لحقيقة أن الأفكار السلبية تأتي بسهولة أكثر من الأفكار الإيجابية، أما تلك المتفائلة منها فإنها بحاجة للجهد والطاقة. وفي واقع الأمر، فإن ما حققته في حياتك من إنجازات على الصعيد المالي، العاطفي، الإجتماعي والوظيفي متعلق بالنهج الذي سلكته في تعاملك مع هذه الأمور، و هذا معتمد على إدراكك المعرفي في حينها، أي بإختصار، على حوارك مع نفسك.

 

إذن، كيف تصبح واعياً لما يتضمنه هذا ( الصوت الهامس) ؟

ـ إحتفظ بمفكرة دورية بحيث تسجل فيها مشاعرك و أفكارك يومياً. قد تندهش بما سوف تكتشفه عن نفسك وعن إهتماماتك. تجنب أن تتأمل بما ستكتب، تناول القلم فقط ودع عقلك يقودك متنقلاً بك في خبايا لاوعيك حيث تكمن العديد من الأفكار.

ـ إستغل أوقات الصمت ! وهي الأوقات التي يتم بها التخاطب بين ذاتك ووعيك. إجلس، إصغي، تعلم وفكر ملياً. وأفضل الأوقات لذلك يكون في الصباح الباكر عندما تكون مشاغل الحياة لم تحكم سيطرتها عليك بعد.

ـ افحص ردود فعلك : ما هو إنطباعك الأولي عندما تقابل شخصاً ما لأول مرةَ ؟ تدخل مكاناً جديداً أو تستمع لفكرة متميزة ؟ ما هو أسلوبك في تقييم الأوضاع ؟

ـ انتبه لآراء الآخرين عنك (العاقلين منهم ) : خاصة أولئك الميالين لإنتقادك. إنه من خلال هؤلاء والذين يتحلون  بالموضوعية والقدرة على التحليل تصبح قادراً على تقييم نفسك بطريقة موضوعية.

ـ راقب موقفك : هل أنت شخص متفائل ؟ قيِم مواقف عائلتك وزملائك. وبما أن المواقف معدية، هل أثَرت  مواقفهم بك !!!

ابحث عن ألأعراض النفسية/ الجسدية: الصداع، الهبات الساخنة، غصة في الحلق، إرتفاع ضغط الدم، ضيق في الصدر، خفقان في القلب، ألم في المعدة وغيرها من الأعراض النفسجسدية وجميعها قنوات يخبرك عقلك من خلالها عمَا يعانيه من توتر ومعاناة. كل فكرة غير بناءة تؤدي الى إفراز جزيئات كيميائية داخل الجسم بسرعة واحد من ألف من الثانية وهذه هي الفترة التي تحتاجها للشعور بالغم والإستياء.

الآن وقد اصبحت واعياً لأفكارك، حان الوقت لتقرر إذا ما كان بعض من هذه الأنماط الفكرية بحاجة الى تغيير. إن مواقفنا هي حالات ذهنية جرى تشكيلها من خبراتنا وتؤثر بالتالي على ردود أفعالنا. وواحدة من الطرق لتغيير ردود الفعل تلك هي عن طريق تغيير الحوار الداخلي.

إن الوصول الى حوار داخلي إيجابي هو، ( لحسن الحظ)، مهارة مكتسبة   وهذا سبب إضافي يدعو للتفاؤل.

أثبتت الأبحاث حول المنطق البشري إن البشر لا يقدرون أن يكونوا معقولين وعقلانيين، على عكس أجهزة الحاسوب. وعلى الرغم من ذلك، من المهم جداً أن تطور الأدوات التي تستطيع من خلالها أن تحدد وتعدل هذه الأحكام غير المنطقية.

في البداية يجب أن تتعلم أن تسكت الصوت السلبي لتصبح قادراً بعد ذلك على تطوير القدرة لنقله لصوت إيجابي.

1)    كيفية إيقاف الفكرة غير المرغوبة:

ا- حدد الفكرة السلبية. ( أصبحت الآن مدركاً لصوتك الداخلي).

ب- تخيل إشارة مرور حمراء و قل لنفسك بأن تبطىء من الفكرة.

( أنت تسيطرالآن على الفكرة ).

ج- إضرب نفسك الآن بمغيطة تلبسها حول معصمك. 

( أنت الآن تؤكد لعقلك اللاواعي لرفضك لهذه الفكرة بتعريض نفسك للقليل جداً من

الألم. )

د – جد فكرة ايجابية بديلة.

( لقد قمت الان بعملية إستبدال، والتي لم يتبعها ألم. )

إن التقنية المستعملة أعلاه تعمل على إعادة برمجة الدماغ وتعطي نتائج دقيقة فقط عندما تكون منتظماً و مجتهداً في التطبيق.

والرد الإيجابي لا يكون بخداعك لنفسك وترديدك لعبارات غير معقولة . بل على العكس،

من خلال النظر الى الحالة من زوايا متعددة ، منطقية، موضوعية وبناءة.

-         عبارة سلبية :   ( حياتي مملة )

-         رد إيجابي خاطىء : ( حياتي رائعة )

-         رد إيجابي صحيح : ( في الوقت الحاضر حياتي ليست على ما يرام، ولكنني أستطيع القيام بتغييرات عن طريق البدء بنشاطات جديدة و البحث عن خيارات متوفرة.)

2) التفكير النمطي:

اـ إكتشف المنحى اللذي يتخذه حوارك الداخلي: دوِن الفكرة وبعد ذلك أرسم سهماً وسجل الفكرة التي تليها، كرر ذلك حتى تفرغ كل ما في عقلك.

ب ـ بعد ذلك، ضع دائرة، بقلم ذو لون مختلف، حول الأفكار الي تعتقد أنها غير بناءة وغير منطقية. إلجأ الى شخص يتحلى بالموضوعية إذا ما إعتبرت نفسك غير قادر على عمل ذلك.

ج ـ أعد الكتابة من جديد مستبدلاً كل فكرة سلبية بأخرى أكثر معقولية.

تستعمل هذه التقنية لإكتشاف سلسلة الأفكار التي تؤدي الى حوار داخلي سلبي و كذلك لإعادة برمجة الدماغ.

3) كن منتبهاً الى المفاهيم المغلوطة:

ـ كل شيء أو لا شيء : إما ان تقوم بالعمل كاملاً أو لا شيء على الإطلاق.

ـ الإفتراضات : القفز الى الإستنتاجات.

ـ التفسير العاطفي : التحليل العاطفي.

ـ الشخصنة : لوم النفس على الأشياء.

ـ إطلاق الألقاب و التسميات : إستعمال صفات قد تشوش الرؤيا.

ـ التضخيم أو الإستهانة : إعطاء الأمور حجماً غير حقيقياً.

ـ التقليل من شأن الإيجابيات : عدم الإهتمام بما قد يشجع.

ـ التعميم : النظر بشمولية طوال الوقت.

ـ استعمال العبارات التي تحتوي على يجب وينبغي : العبارات المشروطة.

ـ الانتقاء الاختياري : التركيز على جانب واحد من المنطق.

قم بتحليل وتقييم الفكرة التي تسبب لك الضيق لتصبح قادراً على معرفة الإنحراف في الفكر الذي جعل من عقلك ضحية له. وبالطبع استبدل هذه الفكرة بواحدة إيجابية، والتي تواجه الإنحراف.

مثال : أنا شخص فاشل دائماً.

الإنحراف الحاصل : التعميم ـ إطلاق المسميات ـ الشخصنة ـالانتقاء الاختياري.

البديل : أنا لم أنجح في ............ بسبب ............ وهذا يمكن تغييره عن طريق ........

4) مارس تقنيات التنفيس:

ـ التمارين الرياضية، البستنة، الرقص، الأعمال اليدوية.

ـ الإحتفاظ بمفكرة يومية ـ المطالعة ـ الفنون ـ الموسيقى.

ـ الصلاة ـ التأمل ـ الإسترخاء.

ـ البكاء ـ الضحك ـ التسلية.

كل ما ذكر أعلاه يعمل على إطلاق الطاقة التى قد تمنع الحديث الصحي مع النفس أو أنها تسبب الحوار السقيم.

  (5  قلل من المنشطات و المهدئات

ـ الكافيين.

ـ النيكوتين.

ـ السكر.

ـ الكحول.

ـ العقاقير.

ـ المهدئات.

إن تثبيط أو تحفيز الجهاز العصبي يعمل على إثارة أو منع العمليات العقلية التي تسبب تفاعلات كيميائية والتي بدورها تؤثر على طبيعة الحوار مع النفس.

6) التطمينات اليومية

 كرر لنفسك، يومياً، عبارات تطمين تذكرك بالطرق التي تتصرف بها بأمور حياتك ذات الإهتمام.

مثال: لهذا اليوم فقط لن أتضايق بسبب..........

        لهذا اليوم فقط سأرى الأمور الإيجابية في........

        لهذا اليوم فقط لن أقلق بسبب..........

كل النقاط التي سبق ذكرها ضرورية للبقاء بصحة جيدة وإتزان. كل شخص يتحدث لنفسه/ لنفسها وهذا شيء لا بد منه للنمو، للتحليل و التطور.  ولا تسطيع الإختباء منه أو تهدئته. إذن جعله أفضل صديق لك هو الخيار الأمثل. غير ذلك، فإن هذا الصوت يصبح المصدر الرئيسي للقلق والإزعاج لديك.

وتبعاً لنظريات وضعها علماء، فإنك قادر على إحداث نقلة فكرية بإدراكك للطريقة التي تستوعب بها الأشياء وللعمليات الفكرية الجارية، بعد ذلك تستطيع إجراء التغييرات عن طريق المعرفة، الإصرار و المثابرة.

إن قوة الدماغ جبارة، والقرار لك فإما ان تحولها لتصبح ألد أعدائك أو محررتك!

هيلينا الصايغ 

                                                                مستشارة إرشادية     

                                                                           ترجمة : نهى منصور